ابن عربي

349

مجموعه رسائل ابن عربي

في هذا المقام وتبيينه أن في هذا الطريق الشريف مقاما يخرج فيه المريد على أن يسمع من الحق ولا يرى أن أحدا في الوجود يخاطبه غير اللّه تعالى فهو ممتثل لكل ما يؤمر به وممن تحقق في هذا المقام خير النساج حين خرج بهذا الخاطر لنيل هذا المقام وتحصيله فابتلي من حينه بأن لقيه إنسان فقال له أنت عبدي واسمك خير فسمع ذلك من الحق واستعمله الرجل في النسج أعواما ثم بعد ذلك قال له ما أنت عبدي ولا اسمك خير وأنا إن شاء اللّه أبين لك كيفية التحقيق في هذا المقام حتى لا تزل فيه قدمك بمن اللّه عز وجلّ . . . فاعلم يا بني أن هذا المقام إذا وفقك اللّه لتحصيله فإن كنت معك فقد كفاك اللّه مكره وإن لم أكن معك فقد يسر اللّه على لساني تخليصك من مكر هذا المنزل وذلك أن الإنسان يريد أن لا يسمع شيئا عن نفسه أصلا ولا مما يقوم في خاطره لكونه ذلك الشيء من هواه وهو غير متحقق في الطريق فيكون أبدا أسيرا لهواه وإن سعي في خير ألا ترى ذا النون كيف قال كل فعل لا يكون عن أثر فهو هوى للنفس نعم ولو حملت الجبال الراسيات على أكتافك وإن ارتكبت من الشدائد ما لم يركبه أحد فلست هناك لأنك ما تصرفت في هذا كله إلّا بإرادتك وعن هوى نفسك وليس ذلك على النفس بشديد وإنما الذي يعظم عليها ويعسر جدا انقيادها لغيرها لكونها جبلت على الرئاسة وطلب التقدم فإذا تقدم عليها وصارت مرؤوسة تحت قهر غيرها وسلطانه جارية في أمورها على إرادته واقفة عند حدودها من أمره ونهيه صعب عليها ذلك وأشتد وإن كان يسيرا وهذا المنزل الذي نحن بصدده هو للنفس موت من إرادتها ومن شروطه دون غيره من المنازل أن لا يفعله ولا يدخل فيه من ليس له شيخ فهو طبيبه لما فيه من العلل القائمة بسلاكه وقد تحقق في هذا المقام الشيخان الجليلان أبو عبد اللّه الغزال الذي كان بالمرية ( رحمه اللّه ) وأبو مدين الذي كان بيجاية واعلم يا بني أن الدخول في هذا المقام وفي أي مقام كان إنما ذلك عقد يربطه الإنسان مع اللّه عزّ وجلّ ويلزمه نفسه فالزم الوفاء به ولا تنقضه فتكون من الخاسرين الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه وحال الداخلين في هذا المقام على نوعين منهم من يبتلي فيه ومنهم من لا يبتلي فمن لم يبتل فيه فقد عصمه حاله واغتني به ويتخيل من ذوقه أن حقيقة هذا المقام يعطي ذلك وأنه لا يبتلي فيه أحد أصلا فينكر الابتلاء فيه وهذا تصور منه ولكنه صادق فإنه صوفي فلا يدعي إلّا فيما ذاقه وشاهده فقط ولا ينطق إلّا بحاله وبهذا يجيبك إن سألته عن إنكاره فيقال له وجودك صحيح وحكمك عليه بأنه كذلك ولا بد فذوقك خطأ